الجاحظ

109

رسائل الجاحظ

باللّه نستعين وعليه نتوكل وما توفيقنا إلا باللّه . [ 1 - رأي بشر بن المعتمر : المعرفة إرادية ] اختلف الناس في المعرفة اختلافا شديدا ، وتباينوا فيها تباينا مفرطا ، فزعم قوم أن المعارف كلها فعل الفاعلين ، إلا معرفة لم يتقدمها سبب منهم ولم توجبها علة من أفعالهم ، ولم يرجعوا إلى معرفة اللّه ورسوله والعلم بشرائعه ولا إلى كل ما فيه الاختلاف والمنازعة وما لا تعرف حقائقه إلا بالتفكر والمناظرة دون درك الحواس الخمس ، فزعموا أن ذلك أجمع فلهم على الأسباب الموجبة والعلل المتقدمة ، وجعلوا مع ذلك سبيل المعرفة بصدق الأخبار كالعلم بالأمصار النائية والأيام الماضية كبدر وأحد والخندق وغير ذلك من الوقائع والأيام ، وكالعلم بفرغانة والأندلس والصين والحبشة ، وغير ذلك من القرى والأمصار ، سبيل الاكتساب والاختيار ، إذ كانوا هم الذين نظروا حتى عرفوا فصل ما بين المجيء الذي لا يكذب [ في ] مثله والمجيء الذي يمكن الكذب في مثله ، فزعموا أن جميع المعارف سبيلها سبيل واحد ووجوه دلائلها وعللها متساوية ، إلا ما وجدته الحواس بغتة وورد على النفوس في حال عجز أو غفلة ، فكان هو القاهر للحاسة والمستولي على القوة ، من غير أن يكون من البصر فتح ومن السمع إصغاء ومن الأنف شم ومن الفم ذوق ومن البشرة مس ، فإن ذلك الوجود فعل اللّه دون الإنسان على ما طبع عليه البشر وركب عليه